قضية فولكس فاغن: التداعيات المتوقعة على الاقتصاد العالمي

بقلم: سائد كرزون

منذ تأسيسها قبل 78 عاما، لم تتعرض شركة فولكس فاغن لأزمة كالتي تواجهها اليوم. أزمة أخذت شكل “الفضيحة” لتضرب قلب الشركة في مقرها الرئيسي في مدينة فولفسبورغ الألمانية، وفي فروعها في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وأسيا، حتى أُجبر رئيسها التنفيذي مارتن فينتركورن على الاستقالة، مع احتمالية دفع الشركة غرامات وتعويضات باهظة تفوق قدرتها المالية، واسترداد نحو 11 مليون سيارة من السوق العالمي.

غير أن السؤال يتمحور حول مدى تأثير الأزمة على موظفي فولكس فاغن ومدينتهم أولا، ومن ثم على سمعة العلامة التجارية الألمانية “صنع في ألمانيا” وعلى باقي الشركات ثانيا، وبالتالي على الاقتصاد الألماني ككل في مختلف قطاعاته فيما بعد؟ وإلى أي حد ستؤثر على الاقتصاد العالمي وستضر بنظامه؟

إن سبب هذه الأزمة كانت نتيجة استخدام فولكس فاعن برنامج كمبيوتر معقد، يساعد سياراتها على خداع سلطات البيئة.  تكمن وظيفته “بالتحايل” على اختبارات الانبعاثات الغازية، من خلال تعطيل أنظمة التحكم في تلوث الهواء بالسيارة أثناء سيرها، ليعمل فقط عندما تخضع السيارة لاختبار العوادم لدى السلطات المختصة، مما أعتبرها الإدعاء العام الألماني وسلطات البيئة الأمريكية قضية جنائية.

أما على صعيد مجلس إدارة فولكس فاغن، فقد اضطر للاعتراف، في بداية الأمر، بأن الشركة زودت حوالي 480 ألف سيارة في الولايات المتحدة بهذا البرنامج. هذا دفع مايكل هورن، الرئيس التنفيذي لفولكس فاغن أمريكا، إلى الاعتراف قائلا: “إن فولكس فاغن كانت غير أمينة مع سلطات البيئة المعنية”. حسب ما جاء في تقرير نشرته D.W في أيلول 2015.

لقد أثارت هذه “الفضيحة” جدلا قطع الحدود الألمانية حتى وصل إلى دول الإتحاد الأوروبي، والشركات المنافسة. هذا أجبر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير تشكيل لجنة مراقبة وإجراء تحقيق سريع. بينما اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن “فضيحة” الانبعاثات المتورطة “قاسية”، إلا أنها تعتقد أن سمعة الاقتصاد الألماني والثقة فيه لم تهتز من جراء هذا الأمر.

على عكس ما جاء في  تصريح صحفي آخر لرئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز، بأن الأزمة ستؤثر بشدة على الاقتصاد الألماني، ولكنه رجح أن تنجو فولكس فاغن منها.

لطالما كانت عبارة “صنع في ألمانيا” بمثابة الكلمة السرية العابرة للحدود، حتى بات كل زبون يشتري سيارة أو ثلاجة ألمانية يفتخر ويعتز بها. فعندما تسأل أحدهم عن نوع سيارته أو ثلاجته، فيجيبك بثقة عالية: “صناعة ألمانية”. فإن شركة فولكس فاغن تُعتبر من كبرى شركات السيارات الأوروبية، وثالث أكبر شركة في العالم. لها ماركات أودي وبنتلي ولامبورجيني وبورش وسيات وسكودا وفولسفاغن، ليصل عدد العاملين فيها في أنحاء مختلفة من العالم إلى أكثر من 750 ألف موظف، لذلك تعد صناعة السيارات مكونا أساسيا في ألمانيا.

وبينما أخذت القضية أبعادا خطيرة على حاضر ومستقبل الشركة، فقد بدأت تتسارع التداعيات وتزيد الأزمة تعقيدا، بظهور آثارها ليس فقط على سمعتها، بل من خلال تهديد اقتصاد مدينتها، فولفسبورغ، كأثر مباشر أول. فإن معظم سكان المدينة عملوا أو مازالوا يعملون في فولكس فاغن، ويعتمد دخلهم الشهري عليها، بالوقت الذي قد تُضطر إلى القيام بتخفيضات كبيرة: من بينها أن تقوم بإنهاء عقود عمل لعدد كبير من موظفيها داخل المدينة على وجه الخصوص ومن ثم في ألمانيا. من جهة فإن هذا يزيد أعبائها المالية بدفع تعويضات إنهاء الخدمة الوظيفية، ومن جهة أخرى يزيد من نسبة البطالة والضغط على اقتصاد الدولة.

غير أن الأزمة وتداعياتها لم تتوقف عند أبواب المدينة، فسرعان ما بدأت تتدحرج ككرة ثلج لتأكل أي شيء يقع في طريقها، مما أجبر مجلس العمال والرقابة على إطلاع العاملين والمساهمين على التفاصيل، وفتح أبواب الشركة أمام مجموعات التحقيق ووسائل الإعلام المحلية والدولية. هذا كله وضع الشركة تحت المجهر وأجبرها على التصريح باعتراف جديد يكمن بإعلانها عن سحب ما يصل إلى 11 مليون سيارة من أسواقها العالمية، تعمل بمحركات الديزل والتي تم تزويدها بهذا البرنامج . منها 8 ملايين سيارة تم تصديرها إلى دول الإتحاد الأوروبي، وإلى سويسرا بلغ عددها 130 ألف سيارة، وبيعت 500 ألف سيارة في السوق الأمريكي، و32 ألف سيارة في المكسيك، وفي البرازيل 84 ألف سيارة، ووصلت مبيعاتها في كوريا إلى 120 ألفا، و91 ألفا في أستراليا. جاءت هذه الأرقام ضمن تقرير نشرته شركة الاستشارات الألمانية “إنتيه بغند”. فقد بلغت قيمة علامة شركة فولكس فاغن12,500  مليار دولار، بينما خصصت ما قيمته 6.5 مليار يورو لتغطية تكاليف هذه الأزمة.

لكن خسارة الشركة المالية وتداعيات “الأزمة التاريخية” على الاقتصاد الألماني وضرب سمعة شركات ألمانية أخرى، لم تتوقف هنا، بل وصلت إلى حد مطالبة الحكومة الإسبانية استرداد الدعم المالي الذي حصلت عليه شركة سيات في إسبانيا، بقيمة ألف يورو عن كل سيارة. كذلك الأمر حدث مع شركة أودي، حيث أن حوالي 1.42 مليون سيارة تأثرت في غرب أوروبا، إلى جانب 577 ألفا في ألمانيا، ونحو 13 ألفا في الولايات المتحدة.

وعند الحديث عن الولايات المتحدة الأمريكية، وبعدما استطاعت سلطتها كشف هذا البرنامج، قامت باستجواب مايكل هورن رئيس فولكس فاغن أمريكا، وعقد جلسة استماع أمام أعضاء الكونغرس، بعد أن تحدثت وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة عن احتمالية فرض غرامات مالية تصل إلى 18 مليار دولار عليها، وهذا الرقم في تزايد مستمر مع تقدم التحقيقات المكثفة في عمق القضية. فإن العقوبات المدنية التي يمكن أن تواجهها فولكس فاغن تقدر بحوالي37,500  دولار عن كل سيارة غير متفقة مع القواعد الاتحادية للهواء النقي، مما زاد من تأزم الأحداث بشكل متسارع.

وبعد معرفة أن حجم أعمال فولكس فاجن يبلغ نحو 200 مليار يورو، وأن قيمة سهمها أنهبط إلى نحو 20%، واعتماد اقتصاد ألمانيا أيضا على الصادرات التي تشكل أكثر من 45% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن هذه الأزمة لن تكسر اقتصاد ألمانيا وتسبب بخلل مدمر تماما للنظام الاقتصاد العالمي الجامع بين دول الإتحاد الأوروبي والولايات الأمريكية وأسيا والشرق الأوسط، إلا أن مخاطره باهظة جدا، قد تؤدي بها إلى خسارة علامة تجارية وثقة ملايين الزبائن، وخسارة علامة “صنع في ألمانيا” لسنوات ليس فقط على سوق صناعة السيارات، بل على كل ما يتم تصديره من ألمانيا.

Advertisements

About saedkarzoun

Saed Karzoun is a journalist, entrepreneur and motivational speaker, founder, and CEO of Taghyeer for Social Media. In May 2016, Saed was awarded the $50k King Abdullah II Award for Youth Innovation and Achievement (KAAYIA) for the Arab countries. In October 2015 Saed was awarded the ASHOKA" Prize; the world’s largest entrepreneurship prize. In 2015, he published his first Book “30 Secret Numbers”. In April 2015, he was chosen as a 2015 Internet Freedom Fellow under the auspices of the United States Mission to the United Nations in Geneva. In December 2014, Saed won the German Transparency International prize, Social Entrepreneurs Initiative Global 2014. “Taghyeer “ is a non-profit company working on developing social media usage in Palestine and making a change in society on issues revolving around women and youth such as: YouKnow: freedom of the Internet, BlogBus – We blog to Develop, Mappingher – Tech for Women. Education: MA International Relations and Affairs/Diplomacy – Birzeit University. 2015 - Present BA Journalism and Media, with a major in radio and a minor in TV. 2003 - 2007 Birzeit University, Palestine. - Email: Karzoun.saed@gmail.com - LinkedIn: https://goo.gl/t6m5rf - Twitter: https://twitter.com/Saedkarzoun - Facebook: https://www.facebook.com/saed.karzoun - Blog: https://saedkarzoun.wordpress.com/ - Mobile: 00972- 599 – 370 – 687 - The Book: Amazon – Kindle Edition: http://amzn.com/B01BUD93OO Create Space - Paperback: https://www.createspace.com/6083781

Posted on 8 يناير 2016, in حاكيني. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: