مكانة الهند الدولية بعد عقدين من الزمن

بقلم: سائد كرزون

كيف نستفيد فلسطينيا إذن من تجربة الهند واستراتيجياتها، ومن أهمية البرمجيات في بناء الأيديولوجيا الفلسطينية بشكل جديد يواكب تطور العوالم المختلفة الذكية؟

إن النظرة التأملية للمستقبل، تحتاج إلى توفر رؤية نقدية استراتيجية للحقائق الحالية أولا، والمعلوماتية باعتبارها سلاح القرن، وبالضرورة إلى توفر قوة عسكرية وتكنولوجية تتمكن من خلالها الدول من إمكانية صناعة “المستقبليات” ليتناسب مع نظامها ومستويات نموها المتسارع الجيوسياسي والجيواستراتيجي. وإن التنبؤ بالمستقبل وتحديد مسار تكوينه، يعتبر مهمة مستحيلة، بل هي محاولة احتمالية نسبية؛ إلا أن المقالة تهدف إلى تشكيل إطار نظري للتفكير والتجادل حول مكانة الهند دوليا بعد عقدين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا كله مرهون للاعتبارات الاقتصادية والسياسية، فلها الأولوية في تحديد طبيعة العلاقات بين العوالم المختلفة في أي زمن.

غير أن السؤال يتمحور إذن حول طبيعة الأهداف التي حددتها الهند قبل عقدين، وما هي آثارها ونتائجها الحالية؟ وما هي فلسفتها الاقتصادية والسياسية لتطبيق أهدافها الإستراتيجية التي سوف تحدد مكانتها الدولية بعد عقدين؟

يولي العالم اهتماما كبيرا لموقع الهند، لوقوعها على مساحة 3.28 مليون متر مربع، ولحتلالها المرتبة السابعة من حيث المساحة عالميا. وهنا يظهر أهمية العامل الجيوإستراتيجي، باعتبار الهند محورا للتجارة العالمية. ولقوتها السكانية اعتبارات، فقد تجاوز عدد سكانها المليار و300 مليون نسمة، وهذا عامل لا يمكن تجاهل أهميته في المعادلات الدولية، وتحديدا عندما ندرك أن 64.9% هم من العمر 15-64 عاما، حسب الإحصائيات اليومية لموقع “Country Meters.

 أما اقتصاديا؛ ولاسيما بعد تبني الهند “برنامج الإصلاح الاقتصادي” في التسعينيات، فحققت نموا ملحوظا في الناتج المحلي الإجمالي، دفع بالدول الكبرى إلى أن تراقب نموها بحذر. وحسب مقال نشره موقع الجزيرة العام الماضي للباحث محمد عبد العال بعنوان “تطور الاقتصاد الهندي”، ذكر فيه تصريحا لمهندس عملية الإصلاح الاقتصادي مانموهان سينغ وزير المالية الأسبق في حكومة ناراسيما راو (1991-1996)، يقول فيه “لو أنك في عام 1960 سألت أي شخص في العالم عن الدولة التي يتوقع أن تكون على قمة رابطة دول العالم الثالث في عام 96 أو 97، فإن الهند كانت ستوضع في مقدمة هذه التوقعات”.

 ومنه يمكن أن نستنتج أن فلسفة ورؤية أصحاب القرار الاقتصادية استندت حينئذ على ركيزتين حسب المقال: التخطيط، وتكامل جهود القطاعين العام والخاص في التنمية.

لكن سرعان ما بدأت هذه الفلسفة تُظهر عيوبها من خلال تراجع أداء الهند اقتصاديا على ساحة التجارة العالمية. هذا دفع صناع القرار في التسعينات للبحث عن منظومة جديدة تنعش اقتصادها. كان الحل بتبني سياسة “الاقتصاد الحر” وإعطاء المزيد من الحرية والحوافز للاستثمار الأجنبي، كحق التملك الكامل للأجانب في مشروعات الطرق والسياحة والصناعات البترولية وتوليد الطاقة، أو الحق في تملك 49% من قطاع الاتصالات، و51% في الصناعات الدوائية، وقطاعات أخرى مثل الكيماويات والتعدين والنقل والغزل والنسيج، وإصلاح قوانين القطاع المالي والنظام الضريبي. هذا حسب ما جاء في دراسة محمد عبد العال.

وكنتيجة لهذه الفلسفة، فإن النتائج اليوم تظهر حسب تقرير نشرته العربية في 22 أيار 2015، ذكرت فيه أن الهند ستتجاوز الصين في معدلات النمو، حيث يتوقع أن تحقق معدلات نمو تتجاوز 8% سنويا، وهو معدل استثنائي يمكن أن يضع الهند على رأس قائمة أكبر دول العالم من حيث مستويات الناتج في غضون عقود قليلة، وهو ما يجعل الاستثمار في الهند أمرا مغريا.

وتوقع صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن آفاق الاقتصاد العالمي الذي صدر في نيسان الماضي، أن تحقق الصين معدل نمو 7.46% في 2015، ويستمر هذا المعدل في التزايد حتى يصل إلى 7.7% في 2019. ويرى أن من بين مجموعة دول الـ BRIC “البرازيل وروسيا والهند والصين” أن الهند تمثل حاليا نجم هذه المجموعة، فالنمو في الصين آخذ في التراجع، بينما تعاني روسيا والبرازيل ضغوط الكساد في الوقت الحالي.

بينما أن تقديرات مركز التنمية الدولية في جامعة هارفارد، تتوقع أن تحقق الهند أعلى معدلات النمو للناتج في العالم خلال السنوات الثماني المقبلة بمعدل نمو متوسط 7.9% وذلك حتى عام 2023. بينما نشرت اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة وآسيا والمحيط الهادئ ESCAP تقريرا هذا العام أشارت فيه إلى أن الهند ستحقق معدل نمو8.2% في العام 2016، وهي أعلى التقديرات المتاحة من المؤسسات الدولية. كما تنبأ تقرير نشره National Intelligence Council بعنوان : GLOBAL TRENDS 2030 Alternative World في كانون أول 2012، أن الطبقة الوسطى فيها سوف تتسع لتصل بشكل هو الأول من نوعه في تاريخ الهند.

بعد التطرق لهذه المؤشرات، يأتي دور الحكومة الهندية بتطبيق إستراتيجيتها، ومتابعة هذه التغيرات والاتجاهات. فقد أعلنت عن مخططاتها الحالية للبدء ببرامج استثمارات “ضخمة” في مجالات متعددة للبنى التحتية مثل: الطرق ومشروعات الري لرفع معدلات نمو القطاع الزراعي، وخطوط السكك الحديدية، وتبني سياسات نقدية تهدف للسيطرة على معدل التضخم بحلول 2018، وتحسين واقع العملة، وفقا للبنك المركزي الهندي، وتطوير عملاق في عالم المبادرات البرمجية وإدخال الهند في عوالم صناعة المعلومات الرقمية وامتلاك أطراف خيوط في ساحة “القوة الناعمة”. فإن للعالم التكنولوجي الدور الأبرز في صناعة الثروة المالية وتحقيق النفوذ في عالم كونيّ صار مسطحا، تعتبر فيه المعلومات والتكنولوجيا سلاح القرن.

إذن؛ يبقى السؤال الذي سوف يتنبأ بمكانة الهند بعد عقدين من الزمن، بدخولها ساحة القوى الكبرى المهيمنة أو بنفيه؛ بكيف سوف تتعامل الهند اقتصاديا مع أزماتها الداخلية من: الفقر والأمية والعنف الطائفي، والتضخم السكاني، والاستفادة من مؤشر ارتفاع نسبة الطبقة الوسطى، وإنعاش المناطق المهمشة، وبطء عمليات الخصخصة مع عالم اقتصادي سريع التطور، ودراسة مضار ارتفاع أسعار النفط على سياسة “الاقتصاد المفتوح” والحر؟

وبكيف سوف تتعامل سياسيا مع تحدياتها الخارجية وتدهور مستويات الاستقرار السياسي؟ وكيفية استغلال العامل الجيوسياسي للاستثمار بعلاقتها مع روسيا كحليف استراتيجي يدعم تطوير برنامجها النووي السلمي في مجال الطاقة، والاستفادة من العقود طويلة الأجل لتوريد النفط، للتعامل مع أزمتها العسكرية مع باكستان وتهديداتها لمصالحها، والمنافسة الصينية واليابانية الإقليمية؟ وبكيف سوف تستثمر علاقتها التجارية المستقبلية مع ألمانيا من خلال جذب استثماراتها تحت برنامج ” Make in India”؟

والأهم يبقى بكيفية ضمان التوازن بين صرف الموازنات على تطوير سلاحها النووي والتكنولوجي وضمان الاستقرار السياسي العسكري، وبين تطوير بنيتها الاقتصادية والصناعة التكنولوجية، وبناء تحالف روسي- هندي- صيني، لتصبح الهند واحدة من أهم القوى الإقليمية المنافسة عالميا.

 

Advertisements

About saedkarzoun

Saed Karzoun is a journalist, entrepreneur and motivational speaker, founder, and CEO of Taghyeer for Social Media. In May 2016, Saed was awarded the $50k King Abdullah II Award for Youth Innovation and Achievement (KAAYIA) for the Arab countries. In October 2015 Saed was awarded the ASHOKA" Prize; the world’s largest entrepreneurship prize. In 2015, he published his first Book “30 Secret Numbers”. In April 2015, he was chosen as a 2015 Internet Freedom Fellow under the auspices of the United States Mission to the United Nations in Geneva. In December 2014, Saed won the German Transparency International prize, Social Entrepreneurs Initiative Global 2014. “Taghyeer “ is a non-profit company working on developing social media usage in Palestine and making a change in society on issues revolving around women and youth such as: YouKnow: freedom of the Internet, BlogBus – We blog to Develop, Mappingher – Tech for Women. Education: MA International Relations and Affairs/Diplomacy – Birzeit University. 2015 - Present BA Journalism and Media, with a major in radio and a minor in TV. 2003 - 2007 Birzeit University, Palestine. - Email: Karzoun.saed@gmail.com - LinkedIn: https://goo.gl/t6m5rf - Twitter: https://twitter.com/Saedkarzoun - Facebook: https://www.facebook.com/saed.karzoun - Blog: https://saedkarzoun.wordpress.com/ - Mobile: 00972- 599 – 370 – 687 - The Book: Amazon – Kindle Edition: http://amzn.com/B01BUD93OO Create Space - Paperback: https://www.createspace.com/6083781

Posted on 8 يناير 2016, in حاكيني. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: