مفارقة القوة الأمريكية: لماذا لا تستطيع القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تمضي وحدها؟

مراجعة نقدية بقلم: سائد كرزون

لكتاب “مفارقة القوة الأمريكية: لماذا لا تستطيع القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تمضي وحدها؟

لجوزيف ناي

يأتي الكتاب في خمسة فصول. بدأ فيها جوزيف ناي الحديث عن العملاق الأمريكي، وأنتقل للحديث عن ثورة المعلومات والعولمة. وفي الفصل الرابع تحدث عن الجبهة الداخلية، وأخيراً انتهى بنقطة البداية الجديدة التي وجهها للإدارة الأمريكية تحت عنوان إعادة تحديد المصلحة الوطنية. فإن أطروحة الكتاب تتنقّل ما بين عالمين بشكل أو بآخر: الولايات المتحدة الأمريكية قبل أحداث 11 أيلول 2001، والولايات المتحدة ما بعد هذا التاريخ، الذي يُعتبر لحظة فاصلة في النظام الدولي. أما الثنائية التي شكلت تلك الرؤية أو الأطروحة في كتابه؛ فقد تمحورت حول: الغطرسة والاحترام. فالأولى تتمثل بالقوة الصلبة وعجرفة وهيمنة الولايات المتحدة قبل عام 2001، والاحترام المتمثلة بفكرة الكاتب الأساسية وهي “القوة الناعمة أو الذكية” التي يحاجج بأهمية استخدامها ما بعد تطور أحداث أيلول في عام 2001.

para

ما الذي حدث قبل أحداث أيلول 2001 وما بعدها؟

شخّص جوزيف ناي الحالة الأمريكية بواقعية. فقد كان جريئاً في طرح نتائج أحادية القطبية وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية على النظام الدولي، والذي ظهرت نتائج بشكل أوضح وأكثر علنية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989، وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية تدير شؤون العالم. في سنة 2001؛ رأى كثير من الأجانب أن الولايات المتحدة لا تهتم في عجرفتها إلا بالمصالح الأمريكية الضيقة على حساب باقي أنحاء العالم. ورأوا أن الولايات المتحدة تركز على القوة القاسية لجبروتها العسكري بدلا من القوة الناعمة حالما أداروا ظهورهم لكثير من المعاهدات والمعايير ومنابر التفاوض الدولية، مما زاد في كره العالم اتجاه الأمريكيين.

 

فعلى الرغم من أن جوزيف ناي يعتبر واقعياً في التفكير أيضاً، إلا أنه انتقد الواقعيين الأمريكيين صراحةً، قائلاً: “على الرغم أن الواقعيين لديهم نقطة صحيحة، فإنهم يركزون الانتباه على الهدف الخاطئ”. جاءت وجهة نظره هذه عندما تحدث عن تحذيراته من مخاطر سياسة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية التي تجمع بين مواقف أحادية الجانب، وغطرسة، وضيق أفق، في الوقت الذي زاد تفاخر الأمريكيين بانتصاراتهم، قائلين: “إن النظام الدولي اليوم ليس مبنياً على توازن القوى، بل إنه يدور في فلك الهيمنة الأمريكية”.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وإصابة الأمريكيين بالرضا عن الذات، وتحديداً ما بين سنتي 1989 و2000؛ راحت شبكات التلفزة تغلق مكاتبها الخارجية وتخفض محتويات أخبارها الأجنبية بنسبة الثلثين. وأن البالغين الشباب يهتمون بنظام التغذية المؤدي إلى النحافة أكثر من اهتمامهم بالخفايا المعقدة لدبلوماسية الشرق الأوسط، نتيجة الغشاوة الوطنية والضبابية المادية والميل إلى الانطواء. كما يقول الكاتب. وباعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوة في العالم، ونتيجة لثقافتها وقيمها التي نشرتها للعالم، فقد كانت تثير تلهفاً وكراهية في الوقت نفسه بين بعض الأمم. إلا أن كل شيء تغيّر بعد هجمات 11 أيلول 2001، التي كانت بمثابة الصفعة والضربة لإيقاظ الأمريكيين، وإخراج الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة الغطرسة، فلم تكن هذه الضربة سوى البداية. لذلك فإن هذه الضربة قسمت الحياة الأمريكية إلى قسمين، الولايات المتحدة ما قبل عام 2001، وما بعد هذا العام.

 

حينا وجّه جوزيف ناي سؤالاً نقدياً يحمل أبعاداً مهمة ومعقدة سيعتبر الخط الرئيسي لأطروحة هذا الكتاب، وهو: “ما هي السياسات التي ينبغي أن تقود قوتنا؟ وهل نستطيع الحفاظ على هذه القوة؟”. ومن ثم يكمل حديثه بوضوح وثقة: “وبصفتي مساعداً سابقاً لوزير الدفاع، فإنني سأكون آخر من ينكر الأهمية المستمرة للقوة العسكرية. فدورنا العسكري جوهري للاستقرار العالمي. والرد العسكري هو جزء من ردنا على الإرهاب. ولكننا ينبغي أن لا ندع الصورة المجازية للحرب تعمينا عن حقيقة أن قمع الإرهاب سوف يستغرق سنوات من العمل الدؤوب الصبور غير البارز، بما في ذلك التعاون المدني الوثيق مع بلدان أخرى”. وهنا تتجلى فكرة كتابه وفكرة القوة الناعمة الذكية التي يتحدث عنها في معظم الأحيان، وكيفية زيادة ميزة القوة الأمريكية ومواجهة التحديات في عصر العولمة المعلوماتية.

 

هيمنة وتوزان قوى ومصادر القوة الصلبة والناعمة، والمتحدّون جدد.

يحلل جوزيف ناي بمنطقية واقع بلاده اليوم، وقارنه زمنياً بواقع وشكل العالم تاريخياً. يبدأ مرحلة مقارنة أسباب نشوء وسقوط بعض الأمم، ويفصّل باختصار أهم مصادر تلك الدول وبجداول توضيحية أسباب مصادر قوة الدول القيادية من 1500- 2000، وصولاً إلى القرن الحادي والعشرين ومصادر هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، وسمات قيادتها التكنولوجية.

إنه يحاجج عل ضرورة أن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية تعريف مصطلح “القوة” بواقعية شديدة في ظل عالم متغير، قد تغيرت فيه مصادر القوة، في الوقت الذي باتت تعتبر العولمة التكنولوجية المعلوماتية هي المحرك الأساسي في السياسة الدولية. ودعا إلى الاهتمام بالقوة الذكية الناعمة “التي تنشأ من القيم الأمريكية إلى حد كبير”.

 

أثناء مقارنته القوة الأمريكية حالياً بالقوى التاريخية، كان يعود جوزيف ناي ويذكّر بأثر وفاعلية القوة الناعمة وعلاقتها بالهيمنة. وتجلى ذلك عندما قال: “إن بعض البلدان تغلي بالغيظ تحت وطأة القوة الأمريكية أكثر من غيرها. كلمة الهيمنة يستخدمها القادة السياسيون في روسيا والصين والشرق الأوسط وفرنسا وغيرها للدلالة على شيء بغيض مقيت. ولكنها تُستخدم بتواتر أقل وبسلبية أقل في البلدان التي تكون فيها قوة أمريكا الناعمة فعّالة”.

ما لفت انتباهي بشكل واضح، قدرة الكاتب على الربط ما بين الماضي والمستقبل البعيد من خلال الاعتراف أولاً بأثر سياسة العزلة والتغطرس والهيمنة الأمريكية، وثانياً من خلال دراسة الماضي وربطه بالمستقبل، وثالثاً بإصرار الكاتب على عظمة وأثر القوة الناعمة. ومباشرة وضع قلمه على نقطة خطيرة سوف تهدد مصير ومستقبل الولايات المتحدة عندما تحدث عن “المتحدون الجدد”، قائلاً: “إن فترات القوة التي لا نظير لها يمكن أن تنتج استقراراً. أما إذا شعرت البلدان الصاعدة بالغيظ من السياسات التي تفرضها الدولة الأكبر، فإنها قد تتحدى الدولة القائدة وتشكّل تحالفات للتغلب على قوتها”. ومن ثم ينتقل بنا للحديث عن المستقبل والمرشحين المحتملين الذين قد يتحدون الولايات المتحدة، ومدى الخطر الذي يمثلونه.

 

يبدأ بالصين، وعودة آسيا إلى مستواها الاقتصادي التاريخي مع الثقافة الكونفوشيوسية وقوة الصين الناعمة بحلول سنة 2025، إلا أنه يرى أن الصين لن تتعادل مع الولايات المتحدة الأمريكية في معدل الدخل لكل شخص إلا في وقت ما بين سنتي 2065 و2095. ومن ثم تحدث عن قوة اليابان الاقتصادية وأن الانتقاص من قيمتها سيكون عملاً خاطئاً. ومن ثم روسيا وعن طبيعة التحالف مع الصين ودرجات تهديدها للولايات المتحدة عسكرياً. ومن ثم الهند وبروز الطبقة الوسطى وتطوير صناعة المعلومات والقوة العسكرية والطرية والسينمائية، ويتحدث أيضا عن نقاط ضعفها الرئيسية. وتحدث عن المواجهة الاقتصادية المتوقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ويتساءل الكاتب: “ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيطور تلاحماً سياسياً واجتماعياً – ثقافياً كافياً لجعله يتصرف كوحدة واحدة حيال سلسلة واسعة من القضايا الدولية، أم أنه سيظل تجمعاً محدوداً لبلدان ذات نزعات قومية وسياسات خارجية شديدة الاختلاف”.

 

 هنا النقطة المحورية والمفصلية. فإني كنت أعتقد أن جوزيف ناي عندما تحدث عن خطر التحالفات القادمة بأنه سوف يشير إلى تلك الدول الجديدة ما بعد عام 2001 وإلى وتحالفاتها، مع بروز تحديات معقدة تهدد النظام العالمي القائم تحتاج إلى ابتكارات جديدة من نوعها مختلفة عن التجارب التاريخية السابقة التي قارن بها؛ إلا أن تنبؤات جوزيف ناي حول قوة الدول الصاعدة تكررت من حيث إعادة تعداد ذات الأسماء التي كانت مطروحة بقوة على الساحة الدولي قبل أحداث أيلول 2001. كما أنه فعلا تحدث عن قوة الأسلحة النووية التي كانت سبباً في الابتعاد عن الحرب العسكرية والغزو المباشر، وذكر صراحة أن مصادر قوة الدول العظمى قديما كانت تُقاس “بقوتها على الحرب”، إلا أنه مع تطور التكنولوجيا فقد تغيرت مصادر القوة. فقد انحصرت رؤيته تلك في ذات الدول القوية، إلا أنه لم يتطرق بتركيز وإسهاب شديدين على أهم تحديات النظام العالمي اليوم المتمثلة بانتشار السلاح النووي بسرعة فائقة مع تطور التكنولوجيا والمعلومات وانتشار القوة بين إيادي متعدد هي: الهند وباكستان وإسرائيل وإيران وفاعلين جدد آخرين لم يكن لهم ذات التأثير بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقبل أحداث أيلول 2001، أو في حال تمكنت الصين.

 

بالإضافة إلى أنه لم يتنبأ بالتالي: ماذا لو عملت إيران على نشر السلاح النووي ونقله إلى دول مجاورة لها، وبناء تحالفات جديدة مع قوى مختلفة غير معروفة المعالم والأيديولوجيات ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وبناء تحالفات بين دول كانت في السابق عدوة، إلا أنها تحالفت لأسباب سياسية أو جغرافية أو عرقية أو دينية متغيرة، واجتمعت على تحقيق هدف واحد: إسقاط وتدمير هيمنة وغطرسة النظام الأحادي القطبية. فكيف ستتعامل سياسات الولايات المتحدة الخارجية مع تلك التحولات والتحديات في الوقت الذي تتنقل القوة فيه إلى آسيا والشرق الأوسط وتتسع فيه الفجوة بين التحديات والحلول المطروحة؟ وماذا يجب أن يتم فعله في حال انتشرت الفوضى داخل النظام الدولي الحالي؟

هذا من جهة، ومن أخرى، فصحيح أن جوزيف ناي تطرق بواقعية لبعض تحالفات الدول الكبرى، وتطرق إلى العامل المشترك بين إيران والعراق هو أن الدولتين تكرهان الولايات المتحدة، وقال: “يمكن التوقع أنهما ستعملان معا للموازنة مع القوة الأمريكية في الخليج، ولكن كلا منهما يقلق من الآخر أكثر، كما أن النزعات القومية قد تعقّد التنبؤات”. لكنه لم يتنبأ بحرب أمريكية على العراق وقتل صدام حسين في أول أيام عيد المسلمين أمام متابعة ملايين سكان الكرة الأرضية مع انتشار منصات الإعلام الاجتماعي وتعاظم دورها وأثرها في الرأي العام العالمي، وأنه لم يتنبأ بتعاظم كره سكان المناطق تلك للولايات المتحدة، كما أنه لم يتنبأ بدقة أكبر وبواقعية تطور مفهوم القومية، كما ظهور وصعود الحركات الدينية الإسلامية المتطرفة بالشكل الذي نراه اليوم، وظهور حركات متطرفة تملك سلاح التكنولوجيا والحرب الإعلامية الرقمية ونمو في الحراك الإرهابي العالمي في أوروبا ومن ثم انتقاله إلى الولايات المتحدة وتهدي أمنهم القومي؛ وبالتالي إمكانية بناء تحالفات تُزيل حالة  “القلق” التي تحدث عنها الكاتب بين تلك القوميات المختلفة والأقليات لتصبح هي التحدي الأكبر للولايات المتحدة والنظام العالمي الحالي، أو حتى طبيعة نتائج سيناريو جديد تتمكن فيه الصين واليابان تخطي الحاجز التاريخي والنفسي اللذان كانا بمثابة الجدار الفاصل بينهما لبناء تحالف، تماما كما تم بين فرنسا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وعقود من الكره والعداوة؟

 

توازن القوة في عالم مركب داخل عصر المعلومات العالمي

لا يمكنني أن أختلف على نظرة جوزيف ناي الواقعية للأحداث اليوم، وللأحداث بعد أقل من قرن من الآن. بعض النقاد يرون أنه واقعي وقلق أكثر من اللازم عندما سأل عن: “مدى التباين بين قوتنا وقوة باقي أنحاء العالم؟”. ويجيب دون مماطلة: من حيث القوة العسكرية، نحن البلد الوحيد الذي يملك في الوقت نفسه قوة نووية، وقوات تقليدية قادرة على الوصول إلى أي مكان في العالم”. لكن وبعد حديثه ومقارنة قوة الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية بباقي دول العالم، وقوتها المعلوماتية والاقتصادية والقوة الناعمة وغيرها، فإنه يطرح سؤالاً باحثاً من خلاله في شكل مستقبل الولايات المتحدة: “فهل تستطيع هذه الدرجة من السيطرة الاقتصادية أن تستمر؟”. ويجيب: “ربما لا. فكما تحرّض العولمة النمو الاقتصادي في البلدان الفقيرة القادرة على الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة والأسواق العالمية، فإن حصتها من الإنتاج العالمي ينبغي أن تزيد، تماماً كما زاد إنتاج بلدان آسيا الشرقية على مدى العقود القليلة الماضية”. وهنا نعود إلى مدى أهمية التحالفات القدمة بين القوى الجديدة الصاعدة أو حتى الحركات كانت إرهابية أو دينية متطرفة تملك السلاح النووي والانتشار الجغرافي والتنوع العرقي.

 

لكنّ الكاتب وبعد مقارنته بالأرقام مصادر قوة الدول الكبرى في عام 2000، وهي: الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين والهند، فإنه يصف شكل توازن القوة في ظل عالم مركب، قائلاً: “القوة اليوم موزعة بين البلدان في نمط يشبه لعبة شطرنج معقدة ذات ثلاثة أبعاد. فعلى رأس الرقعة القوة العسكرية التي هي أحادية القطب إلى حد كبير”. وهنا يتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن القوة الاقتصادية في وسط الرقعة متعددة الأقطاب، وتتمثل بالولايات المتحدة، وأوروبا واليابان ومن المحتمل الصين. لكن العملية معقدة أكثر من ذلك، ويصعب وصفها باستخدام المصطلحات التقليدية عن توازن القوى بين الدول. فإن قاع رقعة الشطرنج مجال العلاقات عابرة القومية التي تتخطي الحدود، وهي خارجة عن سيطرة الحكومات. وهو مجال يشمل العناصر الفاعلة من غير الدول، وهي عناصر شتى مختلفة كالفرق بين الصيارفة اللذين يحوّلون عن طريق البريد الإلكتروني مبالغ أكبر من معظم الميزانيات الوطنية من جهة، وبين إرهابيين يشنون هجمات ومفسدين يعبثون بعمليات الانترنت من جهة أخرى. ففي هذا التوزيع الأعقد للقوة في القرن الحادي والعشرين، فإن هناك أشياء أكثر فأكثر خارج سيطرة حتى أقوى الدول.

 

السياسة الخارجية وثورة المعلومات

كُتب هذا الكتاب سنة 2002، ومن يقرأه اليوم في عام 2016، سوف يشعر بقدم فكرة المعلومات نوعاً ما إذا ما قارنها بنتائج الثورة المعلوماتية والرقمية اليوم التي نعيشها. ولكن لم تكن فكرة جوزيف ناي الرئيسية هي الحديث عن مستقبل التكنولوجيا وثورة المعلومات، بقدر ما حاول أن يقارنها بتاريخ ظهور البخار في أواخر القرن الثامن عشر، والكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر. وأشار صراحة أن العالم ما يزال بمرحلة مبكرة من الثورة المعلوماتية، وأثرها في خلق أدوار جديدة للحكومات في عالم يجب عليه أن يتبنى سياسة عالمية جديدة.

وما يعنيه هذا هو أن السياسة الخارجية لن تكون في المجال الوحيد للحكومات. بل إن الأفراد والمنظمات الخاصة الداخلية والخارجية، سوف تتمكن من لعب أدوار مباشرة في السياسة العالمية. وانتشار المعلومات سوف يعني أن السلطة ستتوزع على نحو أوسع. وأن موضوع السيادة يثير جدلاً وخلافات ساخنة في السياسة الخارجية الأمريكية. ولكن بعد ذكر تفاصيل كثيرة كان بالإمكان اختصارها، إلا أن جوزيف بعدها يضع أصبعه مباشرة على سؤال كان يدور في ذهني طوال الوقت، قائلاً: “لثوة المعلومات تأثير ينزع اللامركزية والتسوية بصورة شاملة، ولكن هل تسوّي في القوة بين الأمم؟”.

 

والاستنتاج الذي يمكن اختصاره في هذا الجانب، وفي المرحلة المبكرة من عصر المعلومات العالمي؛ هو أن الانترنت ومجانية المعلومات وثورتها التكنولوجية آخذة في تكوين مجال جديد عابر للقومية، وأنها آخذة في تغيير المعلومات السياسية بطريقة ستجعل المجتمعات الديمقراطية في حالة منافسة مستمرة في ظل ازدياد تطور أهمية القوة الناعمة أمام الصلبة مع تحول المصداقية إلى مصدر هام لقوة الحكومات والمجموعات غير الحكومية، مما يعني أن المصادر التقليدية للتفوق، سوف تثبت وهميتها.

 

 لكن أعتقد لو أنا جوزيف ناي قرر اليوم وبعد مرور 14 عاماً على كتابته هذا الكتاب؛ إجراء بعض التعديلات عليه، لكان أكثر حزماً وثقةً في قول إن المعلومات الرقمية سوف تكون ربما أكبر تحدي تاريخي ينافس كبرى دول العالم، وتصبح جزءاً من صناعة سياساته ونظامه الدولي اقتصادياً وسياسياً ومجتمعياً. حتى أن جوزيف لو أطلق العنان لخياله، لتحدث أيضاً بجرأة عن كيف سيكون شكل النظام العالمي الجديد بعد أكثر من خمسين – 90 عاماً إذن؟ وكيف سيكون لثورة المعلومات الدور في نزع اللامركزية والتسوية وتغيير مفهوم السيادة والدولة؟ هل حينها ستصنع الثورة الرقمية التكنولوجية لاعبين ومتّحدين جدد وتحالفات عجيبة غريبة بين لاعبين غير حكوميين من دول كانت متنافسة في الماضي لتنافس دولها حتى؟

 

تأثيرات الشبكة في عالم شديد التنوع

قال جوزيف عبارة حول العولمة: “إن العولمة الاقتصادية والاجتماعية لا تنتج تجانساً ثقافياً. ذلك أن بقية أنحاء العالم لن تبدو شبيهة بالولايات المتحدة ذات يوم”. ثم يكمل: “في الوقت نفسه فإن ثقافتنا نفسها آخذة في التغيّر بفعل المهاجرين، والأفكار، والأحداث الواقعة خارج حدودنا”. ثم يرى جوزيف في ذلك نقطة إيجابية وتحضيراً لزمن في المستقبل قد يكون النفوذ الأمريكي فيه أقل. وأن تناقص هذا النفوذ قليلاً لعله يعني قلقاً أقل بخصوص الأمركة، وشكاوى أقل من الغطرسة الأمريكية. فالغريب أن جوزيف يبّسط هذه النقطة الجوهرية في البنية المجتمعية الأمريكية إلى هذا الحد ويراها فقط من هذا المنظور، وكأنه نسي تاريخ الحروب الأهلية، وأن التحدي الأكبر ليس في التقليل من الغطرسة الأمريكية وكسب تعاطف باقي شعوب العالم، بل بتنوع الخلفيات العرقية والفكرية والثقافية والبنيوية داخل المجتمعي الأمريكي نفسه وبتجاهل الحكومة الأمريكية احتياجات ومتطلبات وواقع السكان داخلها، وهو الخطر الأكبر على مستقبلها. فلم يتحدث بواقعية عن هذه النقطة، بل أنه وجّه نصائحه إلى الحفاظ على القوة الناعمة فقط كمصلحة أمريكية.

 

وهذا ظهر بشكل أوضح في الفصل الرابع “الجبهة الداخلية”. فلو قرر جوزيف اليوم إعادة تحرير كتابه، وتحديدا بعد تطور الديجيتال ميديا خلال العشر سنوات الماضية، لغيّر من نظرته للأمور لهذا الفصل تحديدا. يحاول جوزيف في هذا الفصل أن يكون إيجابيا في كثير من الأماكن التي ناقش فيها التحديات الثقافية والطبقية والعرقية والمجتمعية والاقتصادية والإيديولوجية داخل المجتمع الأمريكي وقضية الهجرة وهذا التنوع. صحيح أنه حاول أيضا أن يظهر سلبيات وتحديات حقيقية ستواجه قوة الولايات المتحدة من داخلها خلال الخمسين سنة القادمة، إلا أنه ظل يذكر أنها ليست بحجم التشاؤم المطروح على الساحة الداخلية حالياً، إلا أن نتائج صعود شعبية المرشح الأمريكي دونالد ترامب لانتخابات اليوم في عام 2016، تثبت صحة تعاظم المشاكل والتحديات داخل المجتمع الأمريكي نفسه، والتي ستعتبر التحدي الأهم والأخطر لمستقبل الولايات المتحدة.

 

ومن ثم يذكر جملة معبرة وقوية “إنه الاقتصاد، إيها الغبي”. أتفق معه تماماً أن الاقتصاد هو صانع الدول العظمى وصانع الإيديولوجيات، ولكنه ما زال يرى المشاكل الثقافية والاجتماعية التي ناقشها لا تحدد بإضعاف القوة الأمريكية. فإن جوزيف ينهي هذا الفصل بسؤال مع تشديده على أنه السؤال الذي يجب على الولايات المتحدة أن تعالجه: “مشكلة الجبهة الداخلية ليست آفاق التفسخ السياسي والاجتماعي أو الركود الاقتصادي بقدر ما هي تطور رؤية كبيرة الشعبية للكيفية التي ينبغي على الولايات المتحدة أن تحدد بها مصلحتها الوطنية في عصر المعلومات العالمي”.

 

مصلحة الولايات المتحدة ومصالح الآخرين

في الفصل الأخير، يرى جوزيف ناي، مع تطور مستويات وشكل العولمة الرقمية، أنه بات من الضروري جداً على الولايات المتحدة إعادة تحديد المصلحة الوطنية، وأنهم بحاجة لتعريف عريض لمصلحة الأمريكيين، لكن هذه المرة مع الأخذ بعين الاعتبار والحسبان مصالح الآخرين، ودور قادة الولايات المتحدة هو طرح هذا في نقاشات شعبية. ويقول: “لأننا إذا فشلنا في حمايتها، فإن بقاءنا نفسه يصبح عرضة للخطر”. ويعود ويؤكد على فكرة أن القوة في عصر المعلومات العالمي موزعة مثل لعبة شطرنج بثلاثة أبعاد، ومن هنا يجب بدء التخطيط.

Advertisements

About saedkarzoun

Saed Karzoun is a journalist, entrepreneur and motivational speaker, founder, and CEO of Taghyeer for Social Media. In May 2016, Saed was awarded the $50k King Abdullah II Award for Youth Innovation and Achievement (KAAYIA) for the Arab countries. In October 2015 Saed was awarded the ASHOKA" Prize; the world’s largest entrepreneurship prize. In 2015, he published his first Book “30 Secret Numbers”. In April 2015, he was chosen as a 2015 Internet Freedom Fellow under the auspices of the United States Mission to the United Nations in Geneva. In December 2014, Saed won the German Transparency International prize, Social Entrepreneurs Initiative Global 2014. “Taghyeer “ is a non-profit company working on developing social media usage in Palestine and making a change in society on issues revolving around women and youth such as: YouKnow: freedom of the Internet, BlogBus – We blog to Develop, Mappingher – Tech for Women. Education: MA International Relations and Affairs/Diplomacy – Birzeit University. 2015 - Present BA Journalism and Media, with a major in radio and a minor in TV. 2003 - 2007 Birzeit University, Palestine. - Email: Karzoun.saed@gmail.com - LinkedIn: https://goo.gl/t6m5rf - Twitter: https://twitter.com/Saedkarzoun - Facebook: https://www.facebook.com/saed.karzoun - Blog: https://saedkarzoun.wordpress.com/ - Mobile: 00972- 599 – 370 – 687 - The Book: Amazon – Kindle Edition: http://amzn.com/B01BUD93OO Create Space - Paperback: https://www.createspace.com/6083781

Posted on 14 يونيو 2016, in حاكيني. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: